السبت، 2 سبتمبر 2023

الشاعرة ملاك الزين

 ..... منصةُ الصدفةِ .....


منصةُ الصدفةِ جمعتنا ، ما منْ مهربٍ ، إنهُ القدرْ ..

يطوفُ بينَ كلَّ البشرْ ، إنهُ القدرْ ..

لا يتركُ في تجولهِ صخرٌ أو حجرْ

و لا حتى أوراقُ الشجرْ ، لا يقرعُ باباً 

يقتحمُ الأرواحَ دون علمٍ أو خبرْ ..

لا أحدٌ ... لا أحدْ

منْ منَّا لمْ يذوقَ لوعةُ القدرْ 

بحلوهِ ، بمرهِ ، بحنينهِ ، بغدرهِ ، بالسهرْ ..

لا أحدٌ ... لا أحدْ

كلنا مفارقٌ ، كلنا مغادرٌ ، كلنا تجرعَ الصمتُ و أجترَ الصبرْ ..

تجتاحني كتلةُ احاسيسٍ ، مغمورةٍ في سفلَ قلبي المكدرْ

ضختْ شرايني غراماً مدفوناً منذُ الأزلْ، ماتَ و هو يعتصرْ 

ماتَ حتى قبلَ أنْ يخلقَ البشرْ ..

يلفني إعصارٌ من اللهبِ ، فيهِ شقاءٌ 

وهمٌ و تعبِ ، فيهِ عشقٍ و غضبْ ، فيهِ عقلٌ مني قدْ سُلبْ ، تتخبطُ روحي فيهِ بصمتٍ دونَ صخبْ ..

غريبةٌ أنا بينَ أهلي و خلاني ، في وطني دونَ مكانِ 

غريبةٌ في عشقي قبلَ مولدي و أزمانِ 

إنَّ غربتي لقاتلةٌ دونكَ الأملْ ، و روحي في ثباتٍ 

و الجسدُ فانِ ملَّ الضجرْ .. 

كانتْ روحي تطوفُ بينَ السٌحبِ ، تصلُ إلى شرفتُكَ المستوحشةُ باللقاءِ ، متناسيةٌ ما مرَ من تعبْ ..

تشاهدُ معكَ لوحةٍ منْ جمالِ اللهِ بالغسقِ ، و تطيرُ أرواحنا لتعانقَ الأفقْ ..

بحثتُ عنكَ يا وجعَ قلبي ، يا تنهداتَ التوقِ في صدري المكتئبْ ..

بحثتُ عنكَ في كلَّ الأماكنِ ... لمْ أجدكَ ، في الساحاتِ 

و الشوارعِ و الأزقةُ الضيقةِ ، تحتَ المطرِ ، في كتبِ التاريخِ ، و في المعاجمِ و الصورْ .. لمْ أجدُكَ ..

بحثت ُعنكَ على ضفافِ ذاكَ النهرِ ، بحثُ عنكَ بينَ أزقةِ المدنِ القديمةِ ، و تحتَ أقواسِ الجسورِ المتعتقةِ تاريخاً و المتجدرةُ في الأرضِ ، و فوقَ الصخورِ و بينَ المقابرِ و حتى الأماكنَ الأثريةِ جاوبتني بصمتٍ ، لا أحدٌ لا أحدْ ..

بحثتُ عنكَ في المعابدِ و الكنائسِ و المساجدِ ، لم أجدكَ 

لا أحدٌ ..لا أحدْ ..

دخلتُ باكيةٌ متوسلةٌ لكنيسةِ مريمَ المجدليةِ ، أسألُ الله فيها أن أحضى لكَ ُبأثرِ ، لتعودَ إلى مسكنكَ خلفَ جدرانَ صدري ، صدري المتيمُ بهواكْ ، بهواكَ يا قمري ..

و ما إنْ هبَ نسمُ ريحكَ العليلةُ فلامستْ حنايا الروحِ 

و اشعلتْ في صدري الأملْ أملَ اللقاءِ و العناقِ و القبلْ ..

خفقَ الفؤادُ محطماً أضلعي صارخاً عابراً لثنايا الشوقِ 

 و العللْ ..

ها هو ، ها هو عشقي المنتظرْ ، يالا عظمةُ هذا القدرْ 

أنهُ عمري الضائعُ ، أنهُ ذاكَ القدرْ ، أنهُ حبي و الأجلْ 

إنهُ غرامُ السُهدِ و السهرْ ، جائني في لحظةِ شرودٍ بالسحرْ ..

سمعتُ دمدمتَ صوتهِ المرتجفَ المكدرْ ، 

صوتهُ الحزينُ المتعبَ المرهقُ بالغدرْ ..

الصوتُ الذي آلمتهُ قسوةُ السنينِ ، بعذابٍ و طعناتٍ

 في الظهرْ ..

نعمْ يا ألمَ قلبي و سرَ تعبِ ، وجدتكَ يامنْ كانَ وجهكَ بدرٌ في ليلةِ سمرْ ..

يامنْ كانَ وجهكَ يذكرني بخبزِ التنورِ

الخبزْ الذي كانتْ تصنعهُ أمي بالفجرْ ..

قسماتُ وجهكَ لا تمحى منْ خلدي ، لمْ انساها يوماً و النبضُ في صدري يعتصرْ ..

يامنْ حُبسَ الدمعُ في عينيهِ و المُقلْ

و كمْ منهما سيلٌ إنهمرْ ، بحرقةٍ على الخدِ بحذرْ ..

كمْ منْ سهمٍ غادرٍ أخترقَ جسدكَ بصمتٍ ، و كمْ منْ سيفٍ سالَ منهُ الدمُ كالمطرْ ..

كمْ منْ مرةٍ قطعَ جسدي و مزقَ بأبشعِ الصورْ ، إستباحوا ضعفي ببعدكَ عني ، بغيابكَ كنتُ دونَ سندٍ و عضدٍ و ظفرْ ..

اليومَ ... الآنْ ، في هذهِ اللحظةِ سأصرخُ ، سأصرخُ بعاليَّ الصوتِ ليسمعَ صداهُ كلَّ البشرْ ، حتى الأصمَ و الصخرِ و الحجرْ و حتى أوراقُ الشجرْ ..

سأصرخُ و أقولُ ، عادتْ ليَّ روحي ، عادتْ ليٍَ قوتي ، عادَ القلبُ لنبضهِ ، عادَ عنفواني و كبريائي ، عادَ إليَّ أغلى البشرْ ..

لنْ يبعدكَ عني أحدٌ ، لا .. لا .. لا أحدْ

لنْ أسمحَ بضياعِ روحي من جديدٍ ، عشقي أنتَ البعيدُ القريبْ ..

كيفَ ليَّ وصفُ سعادتي بالوصالِ

كيفَ أصفها ، إنْ كانَ بالوصفِ يعجزُ كلَّ الشعراءِ و الرسلْ ..

لنْ أفرطَ بكَ .. لا .. لا ..هذا هراءْ

أبكاني الحنينُ إليكَ مراتٍ و مراتْ ..

أبكاني دمعاً و دماً ، أبكاني بسخاءٍ و شقاءْ ..

لنْ أفرطَ بكَ . لا .. لا .. هذا هراءْ 

أشعرُ بالجسدِ معانقٌ للروحِ يطيرُ فرحاً

أشعرُ بمعانقةِ السُحب و أخترقُ المسافاتْ ..

أطيرُ ، و أطيرُ عشقاً سعادةً و أحلقُ بأصرارْ ..

أصبحتُ وردةٌ و أنتَ الغصنُ ، أصبحتُ فراشةٌ و أنتَ الزهرُ ، أصبحتُ شاعرةٌ و أنت القصيدةُ ،

أصبحتُ ديواناً و أنتَ فيهِ النظمُ و القافيةُ و الوزنُ وكلُّ البحورِ لكَ تدنُ ، إن كنتُ حبراُ أنتَ القلمُ فيكَ الشعرُ يرتسمُ ، و إن كنتُ دفتراً أنكَ في أولِ سطرُ ، لنْ أفرطْ بكَ هذا هراءٌ هراءْ ..

كنتُ سؤالاً غامضاً لهُ الآنَ ألفُ جوابْ

كنتُ سراباً و عدماً و الآنَ حقيقةٌ في كتابْ ..

لن أفرطَ بكَ .. لنْ أفرطْ ، لا .. لا .. هذا هراءْ ، لا .. لا .. 


هذا هراءْ .. نعمْ هذا هراءْ .....

الشاعرة : ملاك الزين .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية