الشاعرة ملاك الزين
..... منصةُ الصدفةِ .....
منصةُ الصدفةِ جمعتنا ، ما منْ مهربٍ ، إنهُ القدرْ ..
يطوفُ بينَ كلَّ البشرْ ، إنهُ القدرْ ..
لا يتركُ في تجولهِ صخرٌ أو حجرْ
و لا حتى أوراقُ الشجرْ ، لا يقرعُ باباً
يقتحمُ الأرواحَ دون علمٍ أو خبرْ ..
لا أحدٌ ... لا أحدْ
منْ منَّا لمْ يذوقَ لوعةُ القدرْ
بحلوهِ ، بمرهِ ، بحنينهِ ، بغدرهِ ، بالسهرْ ..
لا أحدٌ ... لا أحدْ
كلنا مفارقٌ ، كلنا مغادرٌ ، كلنا تجرعَ الصمتُ و أجترَ الصبرْ ..
تجتاحني كتلةُ احاسيسٍ ، مغمورةٍ في سفلَ قلبي المكدرْ
ضختْ شرايني غراماً مدفوناً منذُ الأزلْ، ماتَ و هو يعتصرْ
ماتَ حتى قبلَ أنْ يخلقَ البشرْ ..
يلفني إعصارٌ من اللهبِ ، فيهِ شقاءٌ
وهمٌ و تعبِ ، فيهِ عشقٍ و غضبْ ، فيهِ عقلٌ مني قدْ سُلبْ ، تتخبطُ روحي فيهِ بصمتٍ دونَ صخبْ ..
غريبةٌ أنا بينَ أهلي و خلاني ، في وطني دونَ مكانِ
غريبةٌ في عشقي قبلَ مولدي و أزمانِ
إنَّ غربتي لقاتلةٌ دونكَ الأملْ ، و روحي في ثباتٍ
و الجسدُ فانِ ملَّ الضجرْ ..
كانتْ روحي تطوفُ بينَ السٌحبِ ، تصلُ إلى شرفتُكَ المستوحشةُ باللقاءِ ، متناسيةٌ ما مرَ من تعبْ ..
تشاهدُ معكَ لوحةٍ منْ جمالِ اللهِ بالغسقِ ، و تطيرُ أرواحنا لتعانقَ الأفقْ ..
بحثتُ عنكَ يا وجعَ قلبي ، يا تنهداتَ التوقِ في صدري المكتئبْ ..
بحثتُ عنكَ في كلَّ الأماكنِ ... لمْ أجدكَ ، في الساحاتِ
و الشوارعِ و الأزقةُ الضيقةِ ، تحتَ المطرِ ، في كتبِ التاريخِ ، و في المعاجمِ و الصورْ .. لمْ أجدُكَ ..
بحثت ُعنكَ على ضفافِ ذاكَ النهرِ ، بحثُ عنكَ بينَ أزقةِ المدنِ القديمةِ ، و تحتَ أقواسِ الجسورِ المتعتقةِ تاريخاً و المتجدرةُ في الأرضِ ، و فوقَ الصخورِ و بينَ المقابرِ و حتى الأماكنَ الأثريةِ جاوبتني بصمتٍ ، لا أحدٌ لا أحدْ ..
بحثتُ عنكَ في المعابدِ و الكنائسِ و المساجدِ ، لم أجدكَ
لا أحدٌ ..لا أحدْ ..
دخلتُ باكيةٌ متوسلةٌ لكنيسةِ مريمَ المجدليةِ ، أسألُ الله فيها أن أحضى لكَ ُبأثرِ ، لتعودَ إلى مسكنكَ خلفَ جدرانَ صدري ، صدري المتيمُ بهواكْ ، بهواكَ يا قمري ..
و ما إنْ هبَ نسمُ ريحكَ العليلةُ فلامستْ حنايا الروحِ
و اشعلتْ في صدري الأملْ أملَ اللقاءِ و العناقِ و القبلْ ..
خفقَ الفؤادُ محطماً أضلعي صارخاً عابراً لثنايا الشوقِ
و العللْ ..
ها هو ، ها هو عشقي المنتظرْ ، يالا عظمةُ هذا القدرْ
أنهُ عمري الضائعُ ، أنهُ ذاكَ القدرْ ، أنهُ حبي و الأجلْ
إنهُ غرامُ السُهدِ و السهرْ ، جائني في لحظةِ شرودٍ بالسحرْ ..
سمعتُ دمدمتَ صوتهِ المرتجفَ المكدرْ ،
صوتهُ الحزينُ المتعبَ المرهقُ بالغدرْ ..
الصوتُ الذي آلمتهُ قسوةُ السنينِ ، بعذابٍ و طعناتٍ
في الظهرْ ..
نعمْ يا ألمَ قلبي و سرَ تعبِ ، وجدتكَ يامنْ كانَ وجهكَ بدرٌ في ليلةِ سمرْ ..
يامنْ كانَ وجهكَ يذكرني بخبزِ التنورِ
الخبزْ الذي كانتْ تصنعهُ أمي بالفجرْ ..
قسماتُ وجهكَ لا تمحى منْ خلدي ، لمْ انساها يوماً و النبضُ في صدري يعتصرْ ..
يامنْ حُبسَ الدمعُ في عينيهِ و المُقلْ
و كمْ منهما سيلٌ إنهمرْ ، بحرقةٍ على الخدِ بحذرْ ..
كمْ منْ سهمٍ غادرٍ أخترقَ جسدكَ بصمتٍ ، و كمْ منْ سيفٍ سالَ منهُ الدمُ كالمطرْ ..
كمْ منْ مرةٍ قطعَ جسدي و مزقَ بأبشعِ الصورْ ، إستباحوا ضعفي ببعدكَ عني ، بغيابكَ كنتُ دونَ سندٍ و عضدٍ و ظفرْ ..
اليومَ ... الآنْ ، في هذهِ اللحظةِ سأصرخُ ، سأصرخُ بعاليَّ الصوتِ ليسمعَ صداهُ كلَّ البشرْ ، حتى الأصمَ و الصخرِ و الحجرْ و حتى أوراقُ الشجرْ ..
سأصرخُ و أقولُ ، عادتْ ليَّ روحي ، عادتْ ليٍَ قوتي ، عادَ القلبُ لنبضهِ ، عادَ عنفواني و كبريائي ، عادَ إليَّ أغلى البشرْ ..
لنْ يبعدكَ عني أحدٌ ، لا .. لا .. لا أحدْ
لنْ أسمحَ بضياعِ روحي من جديدٍ ، عشقي أنتَ البعيدُ القريبْ ..
كيفَ ليَّ وصفُ سعادتي بالوصالِ
كيفَ أصفها ، إنْ كانَ بالوصفِ يعجزُ كلَّ الشعراءِ و الرسلْ ..
لنْ أفرطَ بكَ .. لا .. لا ..هذا هراءْ
أبكاني الحنينُ إليكَ مراتٍ و مراتْ ..
أبكاني دمعاً و دماً ، أبكاني بسخاءٍ و شقاءْ ..
لنْ أفرطَ بكَ . لا .. لا .. هذا هراءْ
أشعرُ بالجسدِ معانقٌ للروحِ يطيرُ فرحاً
أشعرُ بمعانقةِ السُحب و أخترقُ المسافاتْ ..
أطيرُ ، و أطيرُ عشقاً سعادةً و أحلقُ بأصرارْ ..
أصبحتُ وردةٌ و أنتَ الغصنُ ، أصبحتُ فراشةٌ و أنتَ الزهرُ ، أصبحتُ شاعرةٌ و أنت القصيدةُ ،
أصبحتُ ديواناً و أنتَ فيهِ النظمُ و القافيةُ و الوزنُ وكلُّ البحورِ لكَ تدنُ ، إن كنتُ حبراُ أنتَ القلمُ فيكَ الشعرُ يرتسمُ ، و إن كنتُ دفتراً أنكَ في أولِ سطرُ ، لنْ أفرطْ بكَ هذا هراءٌ هراءْ ..
كنتُ سؤالاً غامضاً لهُ الآنَ ألفُ جوابْ
كنتُ سراباً و عدماً و الآنَ حقيقةٌ في كتابْ ..
لن أفرطَ بكَ .. لنْ أفرطْ ، لا .. لا .. هذا هراءْ ، لا .. لا ..
هذا هراءْ .. نعمْ هذا هراءْ .....
الشاعرة : ملاك الزين .


0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية