الجمعة، 22 أغسطس 2025


 .... موسيقى الحياة ....



الحياة في جوهرها ليست صراعًا ولا سباقًا كما يظن الناس، بل هي سيمفونية كونية متقنة. كل مخلوق فيها يعزف نغمة تختلف عن الآخر. نحن لسنا ضوضاء متفرقة، بل أنغام متشابكة، نصنع معا موسيقى لا يسمعها إلا من طهر أذن قلبه.


انظر إلى الفجر و هو يتسلل، ذلك الوتر الأول الذي يعلن بداية اللحن. اسمع خطوات العابرين في الطرقات، و نقرات المطر على النوافذ، و زقزقة الطيور في أعالي الأشجار، كلها ليست أصواتًا مبعثرة، بل حروف موسيقية، يخط بها الكون نوتة سرمدية لا تنتهي.


الموسيقى التي نتحدث عنها لا تعزف بالآلات، بل بالوجود ذاته. في دمعة تسقط بصمت، في ابتسامة صادقة، في حوار الأرواح حين تلتقي دون موعد. وحتى في لحظات الألم، ثمة نغمة عميقة تتسلل بين التنهيدات، لتذكرنا أن الحزن هو أيضا جزء من لحن الحياة.


من يحسن الإصغاء لهذه الموسيقى، لا يراها مجرد أصوات متناثرة، بل يكتشف أن كل ما يحدث في يومه – مهما بدا عابرًا – هو جزء من معزوفة كبيرة. يتعلم أن يرقص مع تقلبات القدر، ويغني مع صعود الروح و هبوطها، و يدرك أن الفوضى الظاهرة ما هي إلا انسجام لم يبلغ الاستماع إليه و إدراكه بعد.


الكون لا يعبث، بل يغني. و الأيام ليست أثقالا، بل مقاطع متتابعة في أغنية أبدية. وما نحن إلا عازفون صغار، يطلب منا أن نؤدي أدوارنا بصدق، ثم نترك للمايسترو الأكبر أن يتم السيمفونية.


حين نصغي حقا إلى موسيقى الحياة، ندرك أن الوجود ليس لغزًا معقدا، بل لحنًا بسيطًا متكررًا: ولادة، حب و فناء، ثم ولادة من جديد. وما بين البدء و الختام، يظل اللحن جاريا، ينتظر من يسمعه بقلبه و ليس بأذنه.



// الزهرة العناق//

22/08/2025

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية